عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

316

اللباب في علوم الكتاب

الصّبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشّكل البتة ؛ فثبت أنّ المراد بالخيط الأسود في الآية هو اللّيل والنهار . ثم لو بحثنا عن حقيقة اللّيل في قوله : « ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ » لوجدناها عبارة عن زمن غيبة الشّمس ؛ بدليل أنّ اللّه تعالى سمّاها بعد المغرب ليلا مع بقاء الضّوء فيه ؛ فثبت أنه يكون الأمر في الطّرف الأوّل من النهار كذلك ؛ فيكون قبل طلوع الشمس أيضا ليلا ، وألا يوجد النّهار إلّا عند طلوع الشمس ، وإلّا يلزم أن يكون آخر النّهار على زعمهم غياب الشّفق الأحمر ؛ لأنّه آخر آثار الشمس ؛ كما أن طلوع الفجر هو أوّل طلوع آثار الشّمس ، وإذا بطل هذا ، بطل ذاك ، ومن النّاس من قال : آخر النهار غياب الشّفق ، ولا يجوز الإفطار إلّا عند طلوع الكواكب ، وكلّها مذاهب باطلة . قوله : « إلى اللّيل » في هذا الجارّ وجهان : أحدهما : أنه متعلّق بالإتمام ، فهو غاية له . والثاني : أنه في محلّ نصب على الحال من الصيام ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : كائنا إلى اللّيل ، و « إلى » إذا كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها ، لم يدخل فيه ، والآية من هذا القبيل . فصل في اختلافهم في ماهيّة اللّيل اختلفوا في اللّيل ما هو ؟ فمنهم : من قاس آخر النهار على أوله ، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشّمس ؛ كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور النهار بظهور آثار الشّمس . ثم هؤلاء منهم من اكتفى بزوال الحمرة ، ومنهم من اعتبر ظهور الظّلام التّامّ وظهور الكواكب والحديث يبطل كلّ ذلك ، وهو قوله - عليه أفضل الصّلاة والسّلام - : « إذا أقبل اللّيل من هاهنا ، وأدبر النّهار من هاهنا وغربت الشّمس فقد أفطر الصّائم » وهذا الحديث مع الآية يدلّ على المنع من الوصال . فصل [ في أن صوم النفل يجب إتمامه ] الحنفيّة تمسّكوا بهذه الآية الكريمة في أنّ صوم النّفل يجب إتمامه « 1 » بقوله تعالى

--> ( 1 ) من تلبّس بصوم مندوب وغيره ، لا يجب عليه إتمامه ، بل يندب له ، وله قطعه ، ولا قضاء عليه ؛ لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : الصّائم المقطوع أمير نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر . وروى أبو داود : أن أم هانىء كانت صائمة صوم تطوع فخيرها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بين أن تفطر بلا قضاء ، وبين أن تتمّ صومها ، لكن يكره الفطر بغير عذر ، أما إذا كان بعذر ؛ كأن طرأ على الصائم سفر ، أو فرض ، أو نحوهما - فلا كراهة . وأما من تلبّس بقضاء صوم واجب ، حرم عليه قطعه ، إن كان القضاء على الفور ، وهو صوم من تعدّى -